أحمد بن محمد ابن عربشاه
156
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وتلاسبوا « 1 » ، وتقابلوا ، وتقاتلوا ، وتفرقوا ، وتمزقوا وتحرقوا ، وتمرقوا « 2 » ، وانحاز كل منهم إلى ناحية ، وأعجب كل برأيه فلا تعرف منهم الفرقة الناجية ، إذا تفرقت أهواؤهم ، وتصادمت آراؤهم ، وجذبت أغراضهم إلى الانحناء ، وجلبتهم أمراضهم مع الأهواء ، ومال كل منهم إلى صوب ، وأيس منهم إلى الصواب الأوب « 3 » ، وتعدد الخلق الذمر ولبس كل لصاحبه جلد النمر . ثم بعد ذلك زلوا وأزلوا ، وضلوا وأضلوه ، فتمكنا فيهم كما نريد ، وتصرفنا فيهم تصرف السادات في العبيد ، وسلطنا عليهم دواعي الغضب والشره ، ولعبنا بشيوخهم لعب الصبيان بالكرة ، فنصوب لهم أقوالهم ونزخرف لهم أفعالهم كما قال من خلقهم وأحوالهم وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ [ النمل : 24 ] . ولا نقصد بذلك إلا كبراءهم وفضلاءهم وعلماءهم وزهادهم ورؤساءهم وحكامهم وحكماءهم ، ولا نفتر عن مكايدتهم ولا نميل عن مكايدتهم ، ونجرى في عروقهم ، ونسكن في فروقهم ، ونحركهم في رعودهم وبروقهم ، فإن تحركوا إلى خير سكّنّاهم ، وإن سكنوا عن شر حرّكناهم ، وإن عزموا على الآخرة صددناهم ، وإن جزموا إلى مواطن رددناهم ، وإن أمّوا مفسدة قدناهم ، أو همّوا إلى معصية سقناهم ، ولا بدّ لهذا العمل الكثير من تأثير ولبيدق « 4 » جد في المسير أن يصير . وبالجملة فنبذل في كل عامة جهدنا وجدنا ، ولا غضاضة في ذلك علينا ؛ لأنه صنعة أبينا وجدنا ، وقد أخبر بذلك جدنا اللعين لما خالف رب العالمين كما أخبر في الكتاب المبين في قوله فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ [ ص : 82 ] .
--> ( 1 ) تضاربوا . ( 2 ) مرق من الدين : خرج من الدين بضلالة أو بدعة . ( 3 ) العودة والتوبة . ( 4 ) الدليل الماهر .